فخر الدين الرازي

180

المطالب العالية من العلم الإلهي

يَفْعَلُ ما يُرِيدُ « 1 » ولا نزاع أنه تعالى أراد الإيمان . أما عندكم فمن الكل . وأما عندنا فمن المؤمن . فوجب أن يكون هو الفاعل لإيمانه ، بحكم هذا النص . وإذا ثبت هذا ، ثبت أنه هو الفاعل للكفر . ضرورة أنه لا قائل بالفرق . فإن قيل : المراد أنه « فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ » فعله . فلم قلتم : إنه تعالى يريد أن يفعل فعل العبد ، فإن ذلك أول المسألة ؟ قلنا : قوله تعالى : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ يتناول كل ما يريد وجوده ، وما ذكرتموه يفيد . خلاف الظاهر . الحجة الخامسة : قوله تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ ، إِذا أَرَدْناهُ . أَنْ نَقُولَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ « 2 » وقد أراد اللّه الإيمان ، فوجب أن يتكون ذلك الإيمان بقوله : كُنْ فَيَكُونُ وذلك عبارة عن تكوين اللّه إياه . فدل هذا النص : على أن إيمان العبد ، وجميع طاعاته ، حصل بتكوين اللّه وإيجاده . الحجة السادسة : قوله تعالى : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا « 3 » وذلك لأن قوله : أَغْفَلْنا على وزن قوله : أحيينا وأمتنا . فكما أن هذا يفيد خلق الحياة ، فكذا قوله : أَغْفَلْنا وجب أن يفيد خلق الغفلة . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : المراد بقوله : أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا إنا وجدنا قلبه غافلا . ولا يكون المراد منه : خلق الغفلة . والدليل عليه : ما روي عن عمرو بن معدي كرب الزبيدي ، أنه قال لبني سليم : « قاتلناكم فما أجبناكم ، وسألناكم فما أبخلناكم ، وهجوناكم فما أفحمناكم » أي : ما وجدناكم جبناء ، ولا بخلاء ، ولا مفحمين . ثم نقول : حمل هذا اللفظ ، على هذا المعنى : أولى . والدليل عليه : أنه لو كان المراد ، هو أنه تعالى جعل قلبه غافلا ، لوجب أن يقال : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا . فاتبع هواه . لأن هذا على هذا التقدير يكون من أفعال المطاوعة . وهي إنما تعطف بالفاء ، لا بالواو . ومنه قولهم : كسرته

--> ( 1 ) سورة الحج ، آية : 14 . ( 2 ) سورة النحل ، آية : 40 . ( 3 ) سورة الكهف ، آية : 28 .